المقريزي

320

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

عن أن لا يرضى بذلك منه . فقال هشام : أنت زيد المؤمّل للخلافة ، وما أنت والخلافة ، لا أمّ لك وأنت ابن أمة . فقال زيد : لا أعلم أحدا عند اللّه أفضل من نبيّ بعثه ، ولقد بعث اللّه نبيا وهو ابن أمة ، ولو كان به تقصير عن منتهى غاية لم يبعث ، وهو إسماعيل بن إبراهيم ، والنبوّة أعظم منزلة من الخلافة عند اللّه ، ثم لم يمنعه اللّه من أن جعله أبا للعرب ، وأبا لخير البشر ، محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما يقصّر برجل أبوه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبعد أمي فاطمة لا أفخر بأم . فوثب هشام من مجلسه وتفرّق الشاميون عنه ، وقال لحاجبه : لا يبيت هذا في عسكري أبدا . فخرج زيد وهو يقول : ما كره قوم قط جرّ السيوف إلّا ذلوا ، وسار إلى الكوفة . فقال : له محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب : أذكرك اللّه يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة ، فإنهم لا يفون لك ، فلم يقبل وقال : خرج بنا هشام أسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ، ثم إلى الجزيرة ، ثم إلى العراق ، ثم إلى تيس ثقيف ، يلعب بنا . وأنشد : بكرت تخوّفني الحتوف كأنني * أصبحت عن عرض الحياة بمعزل فأجبتها إنّ المنية منزل * لا بدّ أن أسقى بكأس المنهل إنّ المنية لو تمثل مثّلت * مثلي إذا نزلوا بصيق المنزل فاثني حبالك لا أبا لك واعلمي * أني امرؤ سأموت إن لم أقتل أستودعك اللّه ، وإني أعطي اللّه عهدا ، إن دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت . وفارقه وأقبل إلى الكوفة فأقام بها مستخفيا يتنقل في المنازل ، فأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعه ، فبايعه جماعة من وجوه أهل الكوفة ، وكانت بيعته : إنا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنة نبيه ، وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ، وردّ المظالم ، وأفعال الخير ، ونصرة أهل البيت ، أتبايعون على ذلك ؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على أيديهم ، ويقول : عليك عهد اللّه وميثاقه وذمّته وذمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لتؤمنن ببيعتي ، ولتقاتلنّ عدوّي ، ولتنصحنّ لي في السرّ والعلانية ، فإذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال : اللهمّ فاشهد . فبايعه خمسة عشر ألفا ، وقيل أربعون ألفا ، وأمر أصحابه بالاستعداد ، فأقبل من يريد أن يفي ويخرج معه يستعدّ ويتهيأ ، فشاع أمره في الناس ، هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام واختفى بها يبايع الناس . وأما على قول من زعم أنه أتى إلى يوسف بن عمر لمرافعة خالد بن عبد اللّه القسريّ أو ابنه يزيد بن خالد ، فإنه قال : أقام زيد بالكوفة ظاهرا ومعه داود بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه وتأمره بالخروج ويقولون : إنا لنرجو أن تكون أنت المنصور ، وأنّ هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية ، فأقام بالكوفة ويوسف بن عمر يسأل عنه فيقال هو هاهنا ، ويبعث إليه ليسير فيقول نعم ويعتلّ بالوجع ، فمكث ما شاء اللّه ، ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة ، فاحتج بأنه يحاكم آل طلحة بن عبيد اللّه بملك بينهما